السيد كمال الحيدري

81

شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول )

مما لا شكَّ في بطلانِه أيضاً ، فإنا نحسُّ ونتخيّلُ صوراً هي أعظمُ كثيراً مما فُرِضَ محلًا لها من الجزءِ العصبىَّ ، كالسماءِ بأرجائِها ، والأرضِ بأقطارِها ، والجبالِ الشاهقةِ ، والبراري الواسعةِ ، والبحورِ الزاخرةِ ، ومن الممتنعِ انطباعُ الكبيرِ في الصغير . وما قيل : ( إنَّ إدراك الكبِر والصغرِ في الصورةِ العلميةِ إنما هو : بقياسِ أجزاءِ الصورةِ العلميةِ بعضها إلى بعضٍ ) لا يفيدُ شيئاً ؛ فإنَّ المشهودَ هو الكبيرُ بكبرهِ ، دونَ النسبةِ الكليةِ المقداريةِ التي بينَ الكبيرةِ والصغيرةِ ، وأن النسبة بينهما مثلًا نسبةُ المائةِ إلى الواحدِ . فالصورةُ العلميةُ المحسوسةُ أو المتخيَّلةُ ، بما لها من المقدارِ ، قائمةٌ بنفسِها في عالم النفسِ ، من غيرِ انطباعٍ في جزءٍ عصبىّ ، أو أمرٍ مادّىٍّ غيرِها ، ولا انقسامَ لها بعرضِ انقسامهِ . والإشارةُ الذهنيةُ إلى بعضِ أجزاءِ المعلومِ ، وفصلهِ عن الأجزاءِ الاخرِ ، كالإشارةِ إلى بعضِ أجزاءِ زيدٍ المحسوسِ ، أو المتخيَّل ، ثمّ إلى بعضِها الآخرِ ، ليس من التقسيم في شىءٍ ، وإنما هو إعراضٌ عن الصورةِ العلميةِ الأوليةِ ، وإيجادٌ لصورتينِ اخريَين . وإذ لا انطباعَ للصورةِ العلميةِ في جزءٍ عصبىٍّ ، ولا انقسامَ لها بعرضِ انقسامهِ ، فارتباطُ الصورةِ العلميةِ بالجزءِ العصبىّ ، وما يعملُه من عملٍ عندَ الإدراكِ ، ارتباطٌ إعدادىٌّ ، بمعنى : إنَّ ما يأتيه الجزءُ العصبىُّ من عملٍ ، تستعدُّ به النفسُ لأن تحضُرَ عندَها ، وتظهَرَ في عالَمِها الصورةُ العلميةُ الخاصةُ ، بما للمعلومِ من الخصوصياتِ . وكذلك المقارنةُ التي تتراءَى بين إدراكاتِنا ، وبينَ الزمان ، إنما هي بينَ العملِ المادّىِّ الإعدادىِّ التي تعملُه النفس في آلةِ الإدراك وبين الزمان ، لا بين الصورةِ العلميةِ بما أنه علمٌ وبينَ الزمان . ومن الدليل على ذلك : إنا كثيراً ما ندركُ شيئاً من المعلومات ، ونخزنُه